أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

339

الكامل في اللغة والأدب

محمد بن الجهم لما كانت أيام الزطّ « 1 » أدمنت الفكر وأمسكت عن القول فأصابتني حبسة « 2 » في لساني . وقال رجل من الأعراب يذكر آخر منهم : كأنّ فيه لففا « 3 » إذا نطق * من طول تحبيس وهمّ وأرق وقال رجل لخالد بن صفوان : إنك لا تكثر : فقال : أكثر لضربين أحدهما فيما لا تغني فيه القلّة ، والآخر لتمرين اللسان فإن حبسه يورث العقلة . وكان خالد يقول : لا تكون بليغا حتى تكلّم أمتك السوداء في الليلة الظلماء في الحاجة المهمّة بما تتكلم به في نادي قومك . فإنما اللسان عضو إذا مرّنته مرن ، وإذا أهملته خار ، كاليد التي تخشّنها بالممارسة ، والبدن الذي تقوّيه برفع الحجر وما أشبهه ، والرجل إذا عوّدت المشي مشت . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لا تزالون أصحّاء ما نزعتم ونزوتم ، فنزعتم في القسيّ ونزوتم على ظهور الخيل . وقال بعض الحكماء : لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط : الأكل والمشي والجماع . فأما الأكل فإن الأمعاء تضيق لتركه ، وكان ابن الزبير رحمه اللّه يواصل في ما ذكروا بين خمس عشرة من يوم وليلة ثم يفطر على سمن وصبر ليفتق أمعاءه . قال أبو العباس : قال الأول : والمشي إن لم تتعهده أوشكت أن تطلبه فلا تجده . والجماع كالبئر إن نزحت « 4 » جمّت « 5 » وإن تركت تحيّر « 6 » ماؤها ، وحقّ هذا كله القصد . وقوله : كأنّ عليهم شروق الطفل ، يريد تألّق الحديد كأنه شمس طالعة عليهم وإن لم تكن شمس . وأحسن من هذا قول سلامة بن جندل : كأنّ النعام باض فوق رؤوسهم * وأعينهم تحت الحديد جواحم

--> ( 1 ) الزط : بالضم : جيل من السودان والهنود وهم طوال الأجسام ضعفاء . ( 2 ) الحبسة : بالضم تعذر الكلام عند إرادته . ( 3 ) اللفف : العي بالكلام والبطء به . ( 4 ) نزحت البئر : استقي ماؤها حتى نفذ . ( 5 ) جمت : تراجع ماؤها . ( 6 ) تحير الماء : تردد والحائر مجتمع الماء .